كيف تكون حبيبا للرحمن



 

الأسباب الجالبة للمحبة إجمالاً :

  قل ابن القيم رحمه الله : الأسباب الجالبة للمحبة و الموجبة لها هي عشرة :


أحدها : قراءة القرآن بتدبر و التفهم لمعانيه و ما أريد به . 


الثاني : التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض ، فإنها توصلة إلى درجة المحبوبية بعد المحبة . 

************************

الثالث : دوام ذكره على كل حال : باللسان و القلب و العمل و الحال ، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من الذكر. 

***********************************

الرابع : إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى ، و التسنم إلى محابه و إن صعب المرتقى . 
**********************************************

الخامس : مطالعة القلب لأسمائه و صفاته و مشاهدتها و معرفتها ، و تقلبه في رياض هذه المعرفة و مباديها ، فمن عرف الله 
بأسمائه و صفاته و أفعاله : أحبه لا محالة .
******************************** 
السادس : مشاهدة بره و إحسانه و آلاءه ئه ، و نعمه الظاهرة و الباطنة . 
*******************************
السابع : و هو من أعجبها : انكسار القلب بين يدي الله تعالى ، و ليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء 
و العبارات . 
*****************************
الثامن : الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته و تلاوة كلامه ، و الوقوف بالقلب و التأدب بأدب العبودية بين يديه ، ثم ختم ذلك بالاستغفار و التوبة . 
*****************************
التاسع : مجالسة المحبين و الصادقين ، و التقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقي أطايب الثمر ، و لا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام ، و علمت أن فيه مزيداً لكالك و منفعة غيرك . 
****************************
العاشر : مباعدة كل سبب يحول بين القلب و بين الله عز و جل .




(1) قراءة القرآن 

إن قراءة القرآن العظيم و التدبر في آياته و تفهم معانيها ، لها أثر عظيم في زيادة محبة العبد لربه عز و جل ، فكلما كانت صلة العبد بهذا القرآن أعظم كلما ازدادت محبته لربه ، فإن من يحب شيئاً يكثر من ذكره و الحديث عنه ، و يحب كلامه و كل ما يتعلق به . 

و قد ندب الله عز و جل عباده المؤمنين إلى قراءة العناية بهذا القرآن و التدبر في آياته ، و الاتعاظ بمواعظه ، و العمل بما فيه ، و حذر من هجره ، في آياتٍ كثيرات من كتابه : 

قال تعالى : { و رتل القرآن ترتيلا } 

و قال : { إن الذين يتلون كتاب الله و أقاموا الصلاة و أنفقوا مما رزقناهم سراً و علانية يرجون تجارة لن تبور } 

و قال سبحانه : { الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به } 

و قال عز وجل :{ اتل ما أوحي إليك من الكتاب } 
و قال : { أفلا يتدبرون القرآن و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا } 
و قال عز وجل :{ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها } محمد 24 
و عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم : (( خيركم من تعلم القرآن و علمه )) 
و عن عائشة رضي الله عنها قالت قال صلى الله عليه و سلم :الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، و الذي يقرأ القرآن و يتعتع فيه ، و هو عليه شاق له أجران . 
و قال صلى الله عليه و سلم : ((اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه )) 
و عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : أوصى ( يعني النبي صلى الله عليه و سلم ) بكتاب الله . 
و عن زيد بن أرقم قال : قام رسول الله صلى الله عليه و سلم فينا خطيباً ، فحمد الله و أثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال : (( أما بعد أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، و أن تاركٌ فيكم ثقلين أولهما كتاب الله )) و رغب فيه ، ثم قال : (( و أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي )). 
******************************************
(2) التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض 
فلا يزال العبد يتقرب إلى الله و يتقرب ، حتى يحبه الله سبحانه ، و يجعله من أوليائه الذين يحبهم و يحبونه . 
و في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : 
(( إن الله تعالى قالل : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ، و ما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه ، و ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها و رجله التي يمشي بها و إن سألني أعطيته ، و لئن استعاذني لأعيذنه )). 
***********************************
(3) دوام ذكر الله على كل حال 
و كذلك دوام ذكر الله عز وجل على كل حال باللسان و القلب و العمل و الحال ، من أسباب زيادة محبة العبد لربه ، و لذلك فقد حث الله عز و جل على ذكره فقال جل في علاه : {فاذكروني أذكركم} 
و قال تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله كثيرا } 
و قال تعالى : { و الذاكرين الله كثيراً و الذاكرات أعد الله لهم مغفرةً و أجراً عظيما } 
و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم : قال الله عز وجل : (( أنا عند ظن عبدي بي ، و أنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، و إن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منهم . 
و حث البي صلى الله عليه و سلم كذلك عل ذكر الله تعالى ، و رغب فيه :فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم : (( مثل الذي يذكر ربه و الذي لا يذكر ربه كمثل الحي و الميت )) 
*******************************************
(4) إيثار ما يحبه الله على كل شيءٍ سواه 
و من الأسباب الجالبة لمحبة الله : إيثار ما يحبه الله على كل شيء سواه ، قال تعالى : { فأما من طغى ، و آثر الحياة الدنيا ، فإن الجحيم هي المأوى ، و أما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى ، فإن الجنة هي المأوى } 
و قال صلى الله عليه و سلم : (( ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله و رسوله أحب إليه مما سواهما ، و أن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، و أن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه ، كما يكره أن يلقى في النار )). 
*********************************************
(5) مطالعة القلب لأسماء الله و صفاته 
و أعظم الأسباب التي تزيد محبة العبد لربه : مطالعة أسمائه و صفاته و مشاهدتها بعين القلب ، فإن الله عز و جل أهل لأن يحب بذته ، لأن له جمال الذات و الأسماء و الصفات و الأفعال . 
فمن تأمل صفات الله عز و جل و أسماءه و عاش معها ، يصل به الأمر إلى حالةٍ كأنه ينظر إلى الرحمن على عرشه مستوياً عليه ، بائناً من خلقه ، يأمر و ينهى ، و يخلق و يرزق ، و يميت و يحيي ، و يقضي و ينفذ ، و يعز و يذل ، و يقلب الليل و النهار ، و يداول الأيام بين الناس . 
أحاط بكل شيءٍ علما ، و أحصى كل شيءٍ عددا ، ووسع كل شيء رحمة و حكمة . 
وسع سمعه الأصوات ، باختلاف اللغات ، على تفنن الحاجات . لا تختلف عليه و لا تشتبه ، بل يسمع ضجيجها باختلاف لغاتها على كثرة حاجاتها . لا يشغله سمع عن سمع ، و لا تغلطه كثرة المسائل ، و لا يتبرم بإلحاح ذوي الحاجات . سواء عنده من أسر القول و من جهر به ، و من هو مستخفٍ بالليل و ساربٌ بالنهار ، لا يشغله جهر من جهر عن سمعه لصوت من أسرَّ ، بل هي عنده كلها كصوتٍ واحد ، كما أن الخلق جميعهم خلقهم و بعثهم عنده بمنزلة واحدة . {ما خلْقُكُمْ و لا بعْثُكُمْ إلا كنفسٍ واحدة} 
أحاط بصره بجميع المرئيات : فيرى دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ، و يرى جناح البعوضة في ظلمة الليل ، يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور. 
له الخلق و الأمر ، و له الملك و الحمد ، و له الدنيا و الآخرة ، و له النعمة و الفضل ، و له الثناء الحسن ، له الملك كله ، و له الحمد كله ، و بيده الخير كله . 
لا ينام ، و لا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط و يرفعه ، يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، و عمل النهار قبل الليل ، حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ....سبحانه . 
يمينه ملأى لا تغيضها نفقة ، سحَّاء الليل و النهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات و الأرض ، فإنه لم يُغْضِ ما في يمينه . 
لو أن أشجار الأرض كلها من حين وجدت إلى أن تنقضي الدنيا أقلام ، و البحر يمده من بعده سبعة بحار ، فكتب بتلك الأقلام ، و ذلك المداد ، لفنيت الأقلام و نفد المداد ، و لم تنفد كلمات الله ... و كيف تنفد و هي لا بداية لها و لا نهاية . 
أول بلا ابتداء ، و آخرٌ بلا انتهاء ، لا يفنى و لا يبيد ، و لا يكون إلا ما يريد ، لا تبلغه الأوهام ، و لا تدركه الأفهام ، و لا يشبه الأنام ، حي لا يموت ، قيوم لا ينام ، خالق بلا حاجة ، رازقٌ بلا مؤنه ، مميت بلا مخالفة ، باعثٌ بلا مشقة ، ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه ، لميزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته ، و كما كان بصفاته أزلياً ، كذلك لا يزال عليها أبدياً ، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ، و لا بإحداث البرية استفاد اسم الباري ، له معنى الربوبية و لا مربوب ، و معنى الخالق و لا مخلوق ، و كما أنه محي الموتى بعدما أحيا استحق اسم هذا الإسم قبل إحيائهم ، كذلك استحق اسم لخالق قبل إنشائهم ذلك بأن على كل شيءٍ قدير ، و كل شيءٍ إليه فقير ، ليس كمثله شيء و هو السميع البصير . 
فإذا عاش العبد مع أسماء الله تعالى و صفاته هكذا ، عظمت محبته لربه عز و جل ، و لم يؤثر هلى رضاه شيئاً أبدا ، و إن مزق أو حرق أو قتل أو عذب في سبيل ذلك بكل ألوان العذاب . 
**********************************
(6) مشاهدة نعمه لظاهرة و الباطنة 
إن من يتفكر في عظيم إحسان الله له ، و ما حباه به من النعم الظاهرة و الباطنة لا بد أن يحب الله عز و جل حباً عظيماً ، لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها ، فكيف بمن أنشأها من العدم و صورها في الأرحام ، و غذاها و رعاها في تلك الظلمات ، و يسر لها الخروج إلى هذه الحياة ، ثم توالت نعمه سبحانه عليها ، و أعظمها نعمة الإسلام التي حرم الكثيرون و أنعم بها عليك ، ثم وفقك لطاعته و للأعمال الصلحة , ثم ينعم بعد ذلك عليك في الآخرة بجنته ... كل هذه النعم و لا يستحق منك أن تحبه حباً عظيماً صادقاً لا تحبه أحداً من العالمين !! 
أروح و قد ختمت على فؤادي بحـبك أن يحل به سـواكا 
فلو أني استطعت غضضت طرفي فلـم أنظـر به حتى أراكـا 
أحبك لا بـبعضي بل بكـلي و إن لم يُبْقِ حبك لي حراكا 
****************************
(7) انكسار القلب بين يدي الرب 
إن لذل القلب و انكساره بين يدي الله عز و جل تأثير عجيب في المحبة ، و يفتح أمام العبد أبواباً عظيمة من الخير ، و يوصله إليها من أقرب طريق ، حتى أنه يسبق غيره و هو نائم على فراشه . 
من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً و تجي في الأول 
و قيل لبعض الصالحين : أيسجد القلب ؟ قال : نعم يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء. 
و قد عرف بعض السلف العبادة بأنها : غاية الحب مع غاية الذل . 
قل ابن القيم : 
و عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قسمان 
*****************************************
(8) الخلوة بالله وقت النزول الإلهي 
و الخلوة بالله سبحانه وقت نزوله في الثلث الأخير من الليل لمناجاته و تلاوة كلامه ، و الوقوف بين يديه و التأدب بأدب العبودية ، من أعظم الأسباب التي تورث القلب محبة الله عز و جل . 
قال تعالى : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً و طمعا } 
و قال عز و جل :{إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ، كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون ، و بالأسحار هم يستغفرون} 
و قال سبحانه :{ و من الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محمودا} 
و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (( ينزل ربنا تبارك و تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له ))


و قد روى الثقات عن خير الملأ بـأنـه عز و جـل و عـلا 

في ثلث اللـيل الأخيـر يـنزل يقـول هـل من تائبٍ فيقبل 

هل من مسيء طالب للمغفرة يجـد كريماً قابـلاً للمعذرة 

يمـن بالخـيرات و الفضائـل و يستر العيب و يعطي المسائل

*********************************************

(9) مجالسة المحبين الصادقين 

ومجالسة المحبين الصادقين والتعرف على أحوالهم و الاقتداء بهم يزيد العبد محبة لله عز و جل و شوقاً إليه و إلى جنته. 
قال تعالى :{و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشِي يريدون وجهه و لا تَعْدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا و لا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه و كان أمره فُرُطا } 
و عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( إنما مثل الجليس الصالح و جليس السوء : كحامل المسك و نافخ الكير ، فحامل المسك إما أن يُحْذِيك ، و إما أن تجد منه ريحاً طيبة . و نافخ الكير إما أن يحرق ثيابك و إما أن تجد منه ريحاً منتنة )) 
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله ، كيف تقول في رجلٍ أحب قوماً و لم يلحق بهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( المرء مع من أحب )) 
***********************************************
(10) البعد عن كل ما يحول بين القلب و بين الله 
و من أسباب زيادة محبة الله تعالى في قلب العبد : البعد عن كل ما يحول بينه و بين الله عز و جل ، و أعظمها الذنوب و الآثام ، فإنها تضعف محبة الله في قلب العبد . 
قال تعالى : { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } 
و قال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } 
تعصي الإله و أنت تظهر حبه هذا محالٌ في القياس بديع 
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع 
و كذلك البعد عن مخالطة من لا خير فيه من الناس ، و عدم الإكثار من المباحات ، و فضول الطعام و الشراب النظر و الكلام ... و غيرها كثير مما يحول بين القلب و بين الله. 
قال سبحانه : { و اعلموا أن الله يحول بين المرء و قلبه }


أسباب محبة العبد لله: 

أما الأسباب التي تجلب محبة الله عز و جل للعبد فهي كثيرة أيضاً و نذكر منها : 

(1) الإتباع 

قال تعالى : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم و الله غفور رحيم ، قل أطيعوا الله و الرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } 

إن اتباع الرسول صلى الله عليه و سلم فيما جاء به من هذا الوحي العظيم ، سبب عظيم من أسباب محبة الله عز وجل لعبده . 

قال بعض السلف : ادعى قومٌ محبة الله فأنزل الله آية المحنة { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ... } فجعل علامة المحبة الاتباع ، و ثمرة الاتباع محبة الله عز و جل للعبد . 

**********************************************************
(2) التقوى 
قال تعالى : { إن الله يحب المتقين } 
و قال صلى الله عليه و سلم : (( إن الله يحب العبد الغني الخفي التقي )) 
تقوى الله عز وجل سبب عظيم من أسباب محبة الله لعبده ، و التقوى : هي أن تجعل بينك و بين عذاب الله عز و جل وقاية بامتثال أوامره و اجتناب نواهيه ، و قيل : هي أن يطاع فلا يعصى ، و أن يذكر فلا ينسى ، و أن يشكر فلا يكفر . و قيل : هي أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله ، و أن تترك معصية الله على نور من الله تخاف من عقاب الله ، و قال الإمام أحمد : هي ترك ما تهوى لما تخشى ، و قيل : هي ترك الذنوب صغيرها و كبيرها . 
قال ابن المعتمر : 
خل الذنوب صغيرها و كـبيرهـا ذاك التقـى 
و اصنع كماشٍ فوقه أرض الشوك يحذر ما يرى 
لا تحـقرن صغيرةً إن الجبـال من الحصـى 
و لله در الشاعر القائل : 
و تزود من التقوى فإنك لا تـدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجـر 
فكم من فتى أمسى و أصبح ضاحكاً و قد نسجت أكفانه و هو لا يدري 
و كم من عروسٍ زينوها لزوجهـا و قد قبضت أرواحهم ليلة القـدر 
و كم من صغارٍ يرتجى طول عمرهم و قد أدخلت أجسادهم ظلمة القبـر 
*********************************************
(3) الصبر 
قال تعالى : { و الله يحب الصابرين } 
الصبر سبب جليل من أسباب محبة الله تعالى لعبده ، فليحرص عليه العبد بأنواعه الثلاثة : فليصبر على طاعة الله سبحانه ، و ليصبر على معاصيه ، و ليصبر على أقداره المؤلمة. 
و قد أمر الله عز وجل في كتابه بالصبر في آياتٍ كثيرات منها قوله تعالى :{يا أيها الذين آمنوا اصبروا و صابروا } 
و حث النبي صلى الله عليه و سلم على الصبر ، و رغب فيه في أحاديثٍ كثيرة منها : (( و من يَتَصَبَّر يصبِّرُه الله ، و ما أُعطي أحدٌ عطاء خيراً و أوسع من الصبر )) 
**********************************************
(4) الإحسان 
قال تعالى : { و الله يحب المحسنين } 
الإحسان سبب جليل من أسباب محبة الله لعبده ، و هو كما عرفه النبي صلى الله عليه و سلم : (( أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) 
و قد أمر الله بالإحسان في كتابه في آياتٍ كثيرة و حث عليه ، قال تعالى : { و أحسنوا إن الله يحب المحسنين } 
و حث النبي صلى الله عليه و سلم أيضاً على الإحسان و أمر به في كل شيء فقال صلى الله عليه و سلم : (( إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، و إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، و ليحد أحدكم شفرته و ليرح ذبيحته )) 
***************************************
(5) التوبة 
قال تعالى : { إن الله يحب التوابين } 
التوبة : من أسباب محبة الله لعبده إذا تحققت بشروطها المعروفة و هي : 
(1) أن يقلع العبد عن المعصية. 
(2) أن يندم على فعلها . 
(3) أن يعزم عزماً أكيداً على أن لا يعود إليها أبداً . 
(4) إذا كانت تتعلق بحقِّ آدميٍ فعليه أن يبرأ من حقه . 
(5) فإذا تحققت هذه الشروط لأربعة في التوبة : كانت سبباً لمحبة الله تعالى لعبده . 
فهو سبحانه يحب التائبين و يفرح بتوبتهم ، و ذلك لعظيم رحمته و سعة مغفرته . 
و قد أمر الله عباده بالتوبة في آياتٍ كثيرات ، منها قوله تعالى : { و توبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون } 
و قوله : { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبةً نصوحاً } 
و حث النبي صلى الله عليه و سلم عليها في أحاديث كثيرةٍ أيضاً ، و رغب فيها : فعن أبي هريرة رضي لله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : (( و الله إني لأستغفر الله ، و أتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة )) 
و في رواية لمسلم من حديث الأغر بن يسار المزني : (( يا أيها الناس توبوا إلى الله و استغفروه فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة )) 
و عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، و يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها )) 
و عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره و قد أضله في أرض فلاة )) 
و في رواية مسلم : (( لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاة ، فانفلتت منه و عليها طعامه و شرابه فيئس منها ، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها ، و قد يئس من راحلته ، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده ، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي و أنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح )) 
*****************************************
(6) الطهارة 
قال تعالى : { و يحب المتطهرين } 
و قال سبحانه : { و الله يحب المتطهرين } 
الطهارة سبب من أسباب محبة الله لعبده ، و هي قسمان : طهارة حسية ، و طهارة معنوية : 
أما الطهارة الحسية : فهي التطهر من الأنجاس و الأحداث. 
و أما الطهارة المعنوية : فهي التطهر عن الشرك و الأخلاق الرذيلة و الصفات القبيحة . 
قال السعدي رحمه الله عند تفسيره لقوله تعالى : { و يحب المتطهرين } 
أي : المتنزهين عن الآثام ، و هذا يشمل التطهر الحسي من الأنجاس و الأحداث ففيه مشروعية الطهارة مطلقاً ، لأن الله تعالى يحب المتصف بها ، و يشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة و الصفات القبيحة و الأفعال الخسيسة )) 
************************************************************
(7)التوكل 
قال تعالى : { إن الله يحب المتوكلين } 
التوكل من أسباب محبة الله تعالى لعبده ، و هو اعتماد القلب على حول الله و قوته ، و التبرئ من كل حول و قوة. 
و قد أمر الله تعالى بالتوكل و حث عليه و رغب فيه في آياتٍ كثيرات ، منها : قوله تعالى :{و توكل على الحي الذي لا يموت } 
و قال سبحانه {و على الله فليتوكل المؤمنون} 
و كذلك حث النبي صلى الله عليه و سلم على التوكل و رغب فيه في أحاديث كثيرة منها : 
حديث ابن عباس رضي الله عنه في وصف السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب و لا عذاب ، فقال : (( هم الذين لا يسترقون ، و لا يتطيرون ، و على ربهم يتوكلون )) 
و عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يقول : (( اللهم لك أسلمت و بك آمنت ، و عليك توكلت ، و إليك أنبت ، و بك خاصمت . اللهم إني أعوذ بعزتك ، لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت ، و الجن و الأنس يموتون )) 
********************************************************
(8) العدل و القسط 
قال تعالى : { إن الله يحب المقسطين } 
القسط و العدل : من أسباب محبة الله تعالى لعبده ، كما أن الظلم من أسباب بغض الله تعالى لعبده ، قال تعالى : { و الله لا يحب الظالمين } 
و قد حث الله تعالى في كتابه على العدل و القسط في آياتٍ كثيرات ، منها : قوله تعالى { و أقسطوا إن الله يحب المقسطين } 
و قل سبحانه :{ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله و لو على أنفسكم أو الوالدين و الأقربين } 
و قال عز و جل : { اعدلوا هو أقرب للتقوى} 
و قال جل و علا :{ إن الله يأمر بالعدل و الإحسان } 
و كذلك حث النبي صلى الله عليه و سلم على العدل في أحاديث كثيرة منها : عن النعمان بن بشير قال : قال رسول لله صلى الله عليه و سلم : (( اتقوا الله و اعدلوا بين أولادكم )) 
و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه و سلم : (( سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله – ثم ذكر منهم – إمامٌ عادل)) 
و عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( إن المقسطين عند الله على منابر من نور : الذين يعدلون في حكمهم و أهليهم و ما وُلُّوا )) 
**********************************************
(9) القتال في سبيل الله 
قل تعالى : { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيانٌ المرصوص } 
و قال تعالى : { فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم و يحبونه أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم } 
القتال في سبيل الله : من أسباب محبة الله تعالى لعبده ، و قد أمر الله تعالى به في آياتٍ كثيرة من كتابه ، منها : 
قوله تعالى :{ و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } 
و قال تعالى :{ و قاتلوا في سبيل الله و اعلموا أن الله سميعٌ عليم} 
و قال سبحانه : { انفروا خفافاً و ثقالا و جاهدوا بأموالكم و أنفسكم في سبيل الله } 
و كذلك حث النبي صلى الله عليه و سلم على الجهاد في سبيل الله و رغب فيه في أحاديث كثيرة ، منها : 
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ، أي العمل أحب إلى الله تعالى : قال : (( الصلاة على وقتها )) ، قلت : ثم أي؟ قال : (( بر الوالدين )) قلت : ثم أي؟ قال : (( الجهاد في سبيل الله )) 
و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ، ما بين الدرجتين كما بين السماء و الأرض)) 
و عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( لغدوةٌ في سبيل الله ، أو روحة ، خيرٌ من الدنيا و ما فيها )) 
و عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( ما أغبرت قدما عبدٍ في سبيل الله فتمسه النار )) 
****************************
(10) التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض 
فهذا بابٌ يوجب محبة العبد لله و محبة الله للعبد كما أسلفنا . 
****************************************
(11) محبة أسماء الله و صفاته 
عن عائشة رضي الله عنها ، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ،بعث رجلاً على سرية ، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم ب { قل هو الله أحد} فلما رجعوا ، ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقال : (( سلوه لأي شيءٍ صنع ذلك؟))فسألوه ، فقال : لأنها صفةٌ للرحمن ، فأنا أحب أن أقرأ بها ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( أخبروه أن الله تعالى يحبه )) 
******************************************************
(12)اجتناب الأعمال التي لايحب الله أهلها 
قال تعالى :{ إن الله لا يحب المعتدين } { و الله لا يحب كل كفارٍ أثيم } { و الله لا يحب الظالمين } { إن الله لا يحب من كان مختالاً فخورا } { إن الله لا يحب من كان خواناً أثيما } { و الله لا يحب المفسدين } { إن الله لا يحب الخائنين } { إنه لا يحب المستكبيرن } { إن الله لا يحب كل خوانٍ فخور } { إن الله لا يحب الفرحين } قال السعدي : أي لا تفرح بهذه الدنيا العظيمة ، تفتخر بها ، و تلهيك عن الآخرة ، فإن الله لا يحب الفرحين بها ، المنكبين على محبتها . 
و قال تعالى : { إنه لا يحب الكافرين } 
******************************************
(13) الحب في الله 
و الحب في الله من أسباب نيل محبة الله تعالى ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم : (( أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى ، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً . فلما أتى عليه قال : أين تريد ؟ قال : أريد أخاً لي في هذه القرية . قال : هل لك عليه من نعمةٍ تربُّهَا؟(أي : تقوم بإصلاحها ، و تنهض بسببها ) قال :لا. غير أني أحببته في الله عز وجل . قال : فإني رسول الله إليك ، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه )) 
و عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : (( إت الله يقول يوم القيامة : أين المتحابون بجلالي ؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي )) 
و في الجملة أن من حافظ على ما يحبه الله و يرضاه ، و ابتعد عن كل ما يسخط الله تعالى و يأباه : نال محبة الله عز و جل و رضاه .


ثمرات محبة الله تعالى للعبد: 

إن لمحبة الله تعالى لعبده ثمرات عظيمة في الدنيا و الآخرة ، فيكفيه أن يكون الله تعالى معه في كل صغيرة و كبيرة يوفقه و يسدده و يحفظه و يرعاه ، يحفظ سمعه عن السماع لما يغضب الله ، و يحفظ بصره عن رؤية ما يغضب الله ، و يحفظ يده عن أن تفعل ما يغضب الله ، يحفظ قدمه من أن تمشي إلى ما يكرهه الله ، و يحفظ جوارحه كلها عن كل ما يسخط الله تعالى و يغضبه . 

يحبه جبريل ، و يحبه أهل السماء جميعاً ، و يوضع له القبول في الأرض بين الناس . 

ينجو من عذاب القبر ، و يأمن الفزع الأكبر ، و ينال كتابه بيمينه ، و يمر على الصراط مرور الكرام ، و يشرب من حوض النبي صلى الله عليه و سلم ، و ينجو من النار و عذابها ، و يدخل الجنة دار الكرامة ، و ينظر إلى وجه الله تعالى و هو أعظم نعيمٍ للمحب أن يرى حبيبه بعدما طال الشوق إليه ، و يرضى الله تعالى عليه رضاً لا سخط بعده أبداً . 

كل هذه الثمرات لا تجعل العبد في نيل محبة الله تعالى و رضاه؟!عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (( إن الله تعالى قال : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ، و ما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه ، و ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها و رجله التي يمشي بها و إن سألني أعطيته ، و لئن استعاذني لأعيذنه )). 

و عنه أيضاً قال : قال رسول له صلى الله عليه و سلم : (( إذا أحب الله تعالى العبد ، نادى جبريل : إن الله يحب فلاناً فأحبه ، فيحبه جبريل ، فينادي في أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه ، فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض )) 

و قال تعالى : { و قالت اليهود و النصارى نحن أبناء الله و أحباؤه قل فلم يُعَذِّبكُم بذنوبكم } 
قلت : في الآية إشارة إلى أن الله تعالى لا يعذب من يحب. 
و قال صلى الله عليه و سلم : (( المرء مع من أحب)) 
قال بعض السلف : ذهب المحبون بشرف الدنيا و الآخرة ، لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (( المرء مع من أحب )) فهم مع الله في الدنيا و الآخرة .


و أخيراً نسأل الله أن يجعلنا من المحبين الصادقين ، و أن يغفر لنا ذنوبنا ، و أن يستر عيوبنا ، و ألا يفضحنا بين خلقه و لا بين يديه ، و أن يرزقنا لذة النظر إلى حسن وجهه الكريم ، و صحبة نبيه الأمين ، في جنات النعيم ، و أن يغفر لوالدينا و مشايخنا و أزواجنا و من له حقٌّ علينا إنه نعم المولى و نعم النصير . 

و صلى الله و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه أجمع

كيف يهلك العبد بأعمال البر


يقال إنها أعمال من البر كانوا يرون انها منجيتهم فكانت هي مهلكتهم لما مازجها من الرياء وحب المحمدة من المخلوقين واتخاذ المنازل بالطاعات وإقامة الجاه وحب القدر والميل الى ثواب المخلوقين

فلما وردوا على الله عز وجل وجدوه قد أحبط أعمالهم وهم لا يشعرون لأنهم كانوا قد تعجلوا ثواب اعمالهم من المخلوقين في الدنيا فافتضحوا وفضيحة ما هناك باقية ولم يجدوا من ثواب اعمالهم إلا كما وجد صاحب السراب وصاحب الرماد

فليس اسم الأعمال يراد ولا تزيين ظاهرها ولكن تقوى الله وما يقرب اليه زلفى فليت بين العبد وبين كل عمل يباعد من تقوى الله ومن الله بعد المشرقين قال العدو الخبيث ثم لآتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم فلو لم يكن في الكتاب من صفات إبليس إلا هذا قد كان ينبغي للناس أن يحذروه ولو نظرت في اكثر الناس لوجدت أن أكثرهم إنما يؤتى من قبل البر وقلة العناية بتصفية الاعمال وما قد استحلت النفس من حب المحمدة من المخلوقينوقد يؤتى قوم كثير من قبل الآثام إلا أن علامة الفتنة في الناس جميعا مختلفة وأكثر الناس إنما يعرفون من قد فتن بالآثام ولا يعرفون من فتن بالبر إلا القليل من الناس من أهل النور والفطن والفراسة والتوسم والكياسة وذلك ان الذي يعمل بأعمال البر وهو يحب فتنتها أكثر من الذي يخاف فتنتها والذي يجهل فتنتها اكثر من الذي يعلم فتنتها ومن الناس من يعلم فتن الاعمال ومبطلاتها ثم يغلبه الهوى ومنهم من يعلم وتقل عنايته فيغفل واعلم ان الذي يعمل وقد علم الافات التي تفسد الاعمال ومعه العناية بنفسه وعمله ومعه التيقظ وإزالة الغفلة وهو مع ذلك مشفق خائف من الافات ما يكاد يسلم إلا من عصم الله تعالى فكيف الذي يجهل ويغفل ويغلبه الهوى ويحب دخول الافة

شمول الفتنة وخطرها


وقد طلبت الدنيا في زماننا خاصة بكل جهة بالبر والاثم جميعا افتتانا فاحذر فتنة البر والاثم جميعا لئلا ينزل بك ما نزل بغيرك في الترك والطلب

فلتكن همتك في النظر في مرآة الفكر كالهمة بالعمل وأكثر من ذلك فإنه ليس شهوات الذنوب والسيئات وشهوات المطاعم والمشارب والملابس والبناء والمراكب والمناكح والذهب والفضة بأغلب على اصحابها من شهوات الجاه وحب الرئاسة وإقامة القدر واتخاذ المنزلة وقبول الامر والنهي وقضاء الحوائج وحب العدالة عند الجيران والاصحاب والاخوان والمدحة على اصحاب البر في حسناتهم وقد تجد الرجل يغلب شهوة الذنب فيترك الذنوب ويصير الى اعمال البر فيضعف عند تصفيتها وتغلبه شهوة ما فيها فيعمل حسنات كثيرة بقوة واقتدار عليها وظمأ شديد وسهر فلا يقدر على ان يغلب شهوته على تصفيتها فإنا لله وإنا إليه راجعون مما قد نزل بنا وما اعظم خطرنا وما أغفلنا عن عظيم الخطر

أحذر خداع الشيطان وهوى نفسك

ثم اعلم أني لست أزهدك في طلب اعمال البر لأن كل عمل لا تعمله اليوم لا تجد ثوابه غدا ولكني احذرك خداع الشيطان وهوى نفسك الأمارة بالسوء وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه وقد

قال تعالى { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم }

وقال { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير }

وقال { إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم وقال }

{ وكذلك سولت لي نفسي } وقال { فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين } وقال { بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل } وقال { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه } وقال { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } وقال { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين } وقال { واتبع هواه وكان أمره فرطا } وقال { وكذبوا واتبعوا أهواءهم }
مع اشياء كثيرة في ذكر عداوة إبليس وذم النفس والهوى

كيف يعرف الانسان سلامته من الافات


قلت ارى من الناس أشياء يعاب مثلها واحب ان أسلم من التعبير والازدراء والعيب فلا أدرى اسلمت منه نفسي أم لا فقال إن الانسان عند معرفة عيب نفسه أبله وعند معرفة عيب غيره جهبيذ فيحتقر عيب اهل كل صناعة وأهل كل عمل من اعمال الدنيا والاخرة ويحتقر عيب من هو في مثل مرتبته ويستعظم ذلك من كل من رآه منه فإذا اتى على عيب نفسه جازه الى عيوبهم كأنه أعمى عنه لم يره وهو يطلب العذر لنفسه ولا يطلبه لغيره فهو في طلب عذرها جهبيذ وفي طلب عذر غيرها ابله وهو يضمر عند ذلك لصاحبه ما يكره أن يضمر له غيره لو رأى منه مثل ذلك العيب

فإذا رأيت عيبا أو زلة أو عثرة من غيرك فاجعل نفسك مكانه ثم انظر الذي كنت تحب ان يستقبلك به لو رأى منك مثل الذي رأيت منه وأضمر ذلك له في نفسك فإنه يحب منك مثل ما كنت تحبه منه وهكذا إذا رأيت ما يستحسن فأردت ان تعرف علم السلامة من الحسد له وبالحري أن يكون أخف الناس عليك عند الزلة من يطلب لزلتك عذرا ومخرجا فإذا لم يجد للعذر موضعا ساءه ذلك وأخفى مكانه وعند حسنتك يسر فإن لم يسر لم تسؤه  فهكذا فكن لهم عند الزلة وعند الحسنة فإذا كنت كذلك فلا تحب إزالة نعمة أنعمها الله على أحد في دين ولا في دنيا ولا تحب أن يقيم أحد على معصية الله تعالى ولا تحب ان يهلك ستره عند زلته فإنك إذا فعلت ذلك بقلبك زال عن قلبك الحسد عن الدين والدنيا جميعا
ومتى غلبت عليك المسابقة الى ضميرك بسوء المحضر فلا تغلبن على مشاهدته بحسن المراجعة من جميع أمورك

علم السلامة بالمراجعة والتفتيش


وأعلم أنك مسبوق الى ضميرك بالحسد وسوء الظن والحقد فاجعل المراجعة شغلا لازما وكن وقافا كما قال الاول المؤمن وقاف وليس كحاطب ليل فقف وطالع زوايا ضميرك بعين حديدة النظر نافذه البصر فإذا رأيت أمرا محمودا فاحمد الله وامض وإذا رأيت مكروها داركته بحسن المراجعة واستقصيت فيه فإن الذي دخل بيتك ولم يستأذنك سوف يختبئ فيه وإن كان مظلما فأنت لا تشعر إلا أن يكون معك سراج من العلم مضئ واضح ويكون معك من العناية بأخذه والإنكار لما دخل فيه ما لا صبر له عليه ولا طاقة له به

ولو قد جربت لعرفت ان الذي أقول لك كما أقول
يدخل داخل منزلك بغير إذنك وهو داخل لا يؤمن أن يخرب المدخول عليه فإن رأى الداخل منك توانيا وتهاونا كان هو المقيم بالمنزل المدبر له فاستولى على حر بيتك وعلى حرمتك وإن رأى منك إنكارا فيه ضعف اختفى لك ليمس سهوتك وغفلتك فإذا وجد فرصة خرب عليك ما كنت اصلحت وهدم ما بنيت فافهم إن كنت تفهم واقبل النصح من الناصحين إن كنت تقبل
فلو رحلت فيما اخذت المطايا فبلغت حيث تبلغ من البعد وأنفقت في سبيل ذلك حر بيتك كان الذي أخذت اكثر من الذي انفقت وتعبت فإنك تجد الخير الكثير في ميزانك يوم القيامة بصدق المراجعة ومبادرتها قبل أن تبرد عنك حلاوتها فإنها موهبة عظيمة من مواهب الله تعالى اكرم بها اهل خاصته وعظم النعمة عليهم فيها فإن عظم النعمة على قدر الحاجة  ...فانظر هل راجعت نفسك وامرك الا وقد وجدت فيه موضع مرمة ومصلحة او وجدت مفسودا بعينه فلو لم تلحقه بالمراجعة لكان ذاهبا الى يوم القيامة

المراجعة اساس السلوك الصحيح


واعلم اني انما اكثر عليك وعلى نفسي من ذكر المراجعة لما قد استبان لي من الاضطرار والحاجة اليها فلو قد تعلقت بشيء من الخير فيها يكون ونسبتها والا فلا وما تركك لها الا كالمستأنس لعدوه والمسلم نفسه اليه فهلكت وانت لا تشعر

وان كنت متهاونا بما اقول لك فإن اكثر حاجتك اليها في صلاة الفريضة ثم بعدها وهلم جرا في جميع امورك

ولو كنت ممن يتفقد امره لعلمت ماذا دخل عليك من الندامة والحسرة حيث فارقتك المراجعة في صلاة الفريضة فلم تدر ماذا قرأ امامك ولم تدر أفي فرض كنت ام في نافلة في صلاة كنت ام في غيرها وانت في رأي العين ممن يناجي ربه


قد اصغيت بأذنيك الى امامك وتخشعت بوقوفك وفرغت قلبك لاستماع ما يقرا امامك من كلام ربك في صلاة فريضتك التي ليس شيء اوجب عليك منها فرجعت منها وقد ظهر منك ما وصفنا وانت كمن لم يشهدها لقلة ضبطك بالمراجعة لنفسك فيها
ولعل الذي حضرت منها بقلبك او عقلته فلم تسه عنه لو قيل لك اتحب ان يكون ذلك منك كما كنت ساهيا ولك مائة الف دينار لقلت لا
فاعتن الآن بتعاهد هذه المراجعة على قدر ما عرفت من حاجتك اليها فإنما لك من عمرك تيقظك وتيقظك مراجعة ما فيه منفعك وقربتك والمصير اليه بالعقل وما سوى ذلك غفلة وسهو يؤديان الى شهوة فيها غليان قلبك وفي ذلك موافقة نفسك الامارة بالسوء والهوى المضل عن سبيل الله العادل بأهله عن طريق محبته وفي ذلك توثب العدو الخبيث الذي لا يألوك خبالا الذي يجري منك مجرى الدم الذي يراك هو وقبيله من حيث لا تراهم
قال مالك بن دينار قلوب الابرار تغلي بأعمال البر وقلوب الفجار تغلي بأعمال الفجور فتعاهد أمرك بالمراجعة فإن دأبت مكروها أصلحته وتحولت عنه وإن رأيت غير ذلك حمدت الله وكانت عنايتك بذلك زيادة لك أو قربة
وإذا رأيت لك عناية بالمراجعة فاعلم أنها نعمة وقربة من أعظم نعم الله واحق من أحسنت صحبته نعم الله التي مفتاح خزائنها رحمه الله فالتمس الزيادة منها بالشكر عليها وأحق من أسأت صحبته نفسك الامارة بالسوء والاساءة اليها مخالفتها فإن في مخالفتها موافقة مرضاة الله

التهاون في اليسير يوقع في الكبير


قلت فمن أهل الارادة  من لم يتخط عيبا ولا عورة الى نافلة فما حفظ اللسان الصمت فما الاحتياط في التحفظ عند الكلام  قال ترك ذكر عيب من غيرك ترجو على ذكره إذا ذكر به الثواب لكيلا يخرجك ذلك الى ذكر عيب من غيرك تخاف على ذكره العقاب وخذ نفسك بهذا الباب اشد الاخذ واحمل عليه من الناس من استرشدك وأراد مثل الذي تريد فإن العبد إنما يؤتى من قبل التهاون باليسير وهو الذي يوقع في الاثم الكبير والتهاون باليسير هو الاساس الذي يبنى عليه الكثير فيكون أوله كان تحفظا ثم صار انبساطا ثم صار من الانبساط الى ذكر اليسير ثم صار من اليسير الى ما هو اكثر منه فلا تشعر حتى ترى نفسك حيث كنت تكره ان ترى فيه غيرك ففي ترك اليسير ترك اليسير والكثير وأقوى الناس على ذلك واصدقهم عزما هو الذي إذا عزم امضى عزمه ولم يلو وأضعف الناس في ذلك أضعفهم عزما وهو الذي يعزم ثم يحل عزمه ولا يكاد يمضي عزما
فهذا الذي يتلاعب به الشيطان والهوى والنفس ليس له عندهم قدر لكثرة معرفتهم يتناقص عزمه وقلة استعماله وأولو العزم من الناس افاضل الخلق من كل طبقة

القريب من التوبة والبعيد منها

صدق الندم وعلامته

قلت فمن أرجا الناس لقبول التوبة منهم قال اشدهم خوفا وأصدقهم ندامة على ما كان منه وما شاهده الله واطلع عليه من الله وخطله وطول غفلته ودوام إعراضه وأحسنهم تحفظا فيما يستقبل وإن استووا في ذلك فاشدهم اجتهادا في العمل لأن علامة صدق الندم على ما مضى من الذنوب شدة التحفظ فيما بقي من العمر ومواثبة الطاعة بالجد والاجتهاد واستقلال كثير الطاعة واستكثار قليل النعمة مع رقة القلب وصفائه وطهارته ودوام الحزن فيه وكثرة البكاء والتفويض الى الله تعالى في جميع الامور والتبري إليه من الحول والقوة ثم الصبر بعد ذلك على أحكام الله عز وجل والرضا عنه في جميعها والتسليم لاموره كلها

الخطأ في طريق التوبة ونتائجه


وقال لي قد علمت من أين غلطت أحسنت الظن بنفسك فتاقت الى درجات المحسنين بخلاف سيرتهم من غير إنكار منك عليها لمساويء أعمالا ولا دفع لما ادعته من اعمال الصادقين

وأسأت الظن بغيرك فانزلتهم في درجة المسيئين إغفالا منك لشأنك وتفرغت للنظر في عيوب غيرك

فلما كان ذلك منك كذلك عوقبت بأن غارت عيون الرأفة والرحمة من قلبك وانفجرت إليه أنهار الغلظة والقسوة فأحببت أن تنظر الى الناس بالإزراء عليهم والاحتقار لهم وقلة الرحمة وأردت أن ينظروا اليك بالتعظيم والمهابة والرحمة فمن وافقك منهم على ذلك نال منك قربا ومحبة ونلت أنت من الله تعالى بعدا وسخطا ومن خالفك فيه ازداد منك بعدا وبغضا وازددت انت من الله بعدا وسخطا

وأطلت في ذلك كله أملك فطاب لك المسير في طريق التسويف ومدارج الحيرات فاشتدت رغبة نفسك واستمكن الحرص من قلبك فعظمت لذلك في الدنيا رغبتك وشحت فجمحت الى شهواتها واحتوشت قلبك لذاتها فحال ذلك بينك وبين ان تجد حلاوة سلوك طريق الاخرة


فقلبك حيران على سبيل حيرة قد اشتبهت عليك سبل النجاة وشقق حجاب الذنوب فأنست لقربها وطاب لك شم ريحها فوصلت بذلك الى محض المعصية فادعيت ما ليس لك وتناولت ما يبعد مرامه من مثلك
ثم أخرجك ذلك الى ان تكلمت لغير الله ونظرت الى ما ليس لك وعملت لغير الله فكنت مخدوعا مسبوعا عند حسن ظنك بنفسك وانت لا تشعر ومستدرجاص من حيث لا تعلم فكان ميراث عملك الخبث والجريرة والغش والخديعة والخيانة والمداهنة والمكروه وترك النصيحة وانت في ذلك كله مظهر لمباينة ذلك
فمن كانت هذه سيرته فلا ينكر ان يبدو له من الله ما لم يكن يحتسب
فلو كان لك يا مسكين أدنى تخوف لبكيت على نفسك بكاء الثكلى المحبة لمن أثكلت ونحت عليها نياحة الموتى حين غشيك شؤم الذنوب
ولو بكى عليك أهل السموات واهل الارض لكنت مستوجبا لذلك لعظم مصيبتك
ولو عزاك عليها جميع الخلق تعزية المحروب المسلوب لكنت مستحقا لذلك لأنك قد حرمت دينك وسلبت معرفتك بشؤم الذنوب فركبك  ذل المعصية وأثبت اسمك في ديوان العاصين واستوحش منك أهل التقوى إلا من كان في مثالك فاخذ الذين أرادوا الله وحده في طريق المحبة له وسلكوا سبيل النجاة إليه وأخذت في غير طريقهم فملت حين خالفت طريقهم الى غيره فبقيت متحيرا وعن وجع الاصابة متبلدا
ويمثل هذه الاسباب التي اشتملت عليها طريقتك يستدل على خسران القيامة وبالله نعوذ واياه نسأل عفوا وتقريبا مع المحسنين انه لطيف خبير

نساء حول الرسول (سودة بنت زمعة رضي الله عنها )


سودة بنت زمعة رضي الله عنها 

أول امرأة تزوجها الرسول بعد خديجة

وبها نزلت آية الحجاب




اسمها ونسبها:

هي أم المؤمنين سوده بنت زمعة بن قيس بن عبد ود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشية العامرية، وأمها الشمّوس بنت قيس بن زيد بن عمر الأنصارية.
إسلامها:

كانت سيدة جليلة نبيلة ضخمة، من فوا ضل نساء عصرها. كانت قبل أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ابن عم لها يقال له: السكران بن عمرو، أخي سهيل بن عمرو العامري. ولما أسلمت بايعت النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم معها زوجها السكران وهاجرا جميعاً إلى أرض الحبشة، وذاقت الويل في الذهاب معه والإياب حتى مات عنها وتركها حزينة مقهورة لا عون لها ولا حرفة وأبوها شيخ كبير.
زواجها:

في حديث لعائشة عن خولة بنت حكيم، أن خولة بنت حكيم السلمية رفيقة سودة في الهجرة إلى الحبشة وزوجها عثمان بن مظعون لما عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها: أنها صغيرة ويريد من هي أكبر سناً لتدبير شؤون بيته ورعاية فاطمة الزهراء.

فعرضت الزواج من سوده بنت زمعة، فهي امرأة كبيرة وواعية، رزان ومؤمنة، وأن جاوزت صباها وخلت ملامحها من الجمال. ولم تكد خولة تتم كلامها حتى أثنى عليها الرسول صلى الله عليه وسلم- فأتى فتزوجها.

تزوج النبي صلى الله عليه وسلم- بسودة ولديها ستة أبناء وكان زواجها في رمضان في السنة العاشرة من النبوة، بعد وفاة خديجة بمكة، وقيل: سنة ثمانية للهجرة على صداق قدره أربعمائة درهم، وهاجر بها إلى المدينة.


فضلها :


تعد سودة - رضي الله عنها - من فواضل نساء عصرها، أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهاجرت إلى أرض الحبشة. تزوج بها الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت إحدى أحب زوجاته إلى قلبه، عرفت بالصلاح والتقوى، روت عن النبي أحاديث كثيرة وروى عنها الكثير. ونزلت بها آية الحجاب، فسجد لها ابن عباس. وكانت تمتاز بطول اليد، لكثرة صدقتها حيث كانت امرأة تحب الصدقة.




 صفاتها:-

لما دخلت عائشة رضي الله عنها بيت الرسول صلى الله عليه وسلم زوجة محبوبة تملأ العين بصباها ومرحها وذكائها، شاءت سودة أن تتخلى عن مكانها في بيت محمد صلى الله عليه وسلم فهي لم تأخذ منه إلا الرحمة والمكرمة، وهذه عائشة يدنيها من الرسول المودة والإيثار والاعتزاز بأبيها، وملاحة يهواها الرجل.

وقد أنس الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بمرحها وصباها في بيته فانقبضت سودة وبدت في بيت زوجها كالسجين، ولما جاءها الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً وسألها إن كانت تريد تسريحاً، وهو يعلم أن ليس لها في الزواج مأرب إلا الستر والعافية وهما في عصمة الرسول ونعمة الله، قالت سودة وقد هدأت بها غيرة الأنثى: يا رسول الله مالي من حرص على أن أكون لك زوجة مثل عائشة فأمسكني، وحسبي أن أعيش قريبة منك، أحب حبيبك وأرضى لرضاك.

ووطدت سوده نفسها على أن تروض غيرتها بالتقوى، وأن تسقط يومها لعائشة وتؤثرها على نفسها، وبعد أن تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم بحفصة بنت عمر جبراً لخاطرها المكسور بعد وفاة زوجها وسنها لم يتجاوز الثامنة عشر، هانت لدى سودة الحياة مع ضرتين ندتين كلتاهما تعتز بأبيها، ولكنها كانت أقرب لعائشة ترضيها لمرضاة زوجها.


وكانت سوده ذات أخلاق حميدة، امرأة صالحة تحب الصدقة كثيراً، فقالت عنها عائشة - رضي الله عنها -: اجتمع أزواج النبي عنده ذات يوم فقلن: يا رسول الله أيّنا أسرع بك لحاقاً؟ قال: أطولكن يداً، فأخذنا قصبة وزرعناها؟ فكانت زمعة أطول ذراعاً فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفنا بعد ذلك أن طول يدها كانت من الصدقة.


عن هشام، عن ابن سيرين: أن عمر رضي الله عنه- بعث إلى سودة بفرارة دراهم، فقالت: في الغرارة مثل التمر، يا جارية: بلغيني الفتح، ففرقتها.
أعمالها:-

روت سودة - رضي الله عنها- خمسة أحاديث، وروى عنها عبدالله بن عباس ويحيى بن عبدالله بن عبد الرحمن بن سعدين زاره الأنصاري. وروى لها أبو داود والنسائي وخرج لها البخاري.
وفاتها:

توفيت سودة في آخر زمن عمر بن الخطاب، ويقال إنها توفيت بالمدينة المنورة في شوال سنة أربعة وخمسون، وفي خلافة معاوية. ولما توفيت سوده سجد ابن عباس فقيل له في ذلك؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إذا رأيتم آية فاسجدوا" ، فأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

جميع الحقوق محفوظة لمدونةعلى خطى الحبيب ©2014

back to top