صفات النبي صلي الله عليه وسلم (الدرس الثامن والخمسون)



 صفات  النبي صلي الله عليه وسلم 
كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز من كمال خلقه وكمل خلقه بما لا يحيط بوصفه البيان، وكان من أثره أن القلوب فاضت بإجلاله، والرجال تفانوا في حياطته وإكباره  بما لا تعرف الدنيا لرجل غيره  فالذين عاشروه وأحبوه إلى حد الهيام  ولم يبالوا أن تندق أعناقهم ولا يخدش له ظفر  وما أحبوه كذلك إلا لأن أنصبته من الكمال الذي يعشق عادة لم يرزق بمثلها بشر  وفيما يلي نورد ملخص الروايات في بيان جماله وكماله مع اعتراف العجز عن الإحاطة.


جمال الخلق

قالت أم معبد الخزاعية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهي تصفه لزوجها  حين مر بخيمتها مهاجرا  ظاهر الوضاءة  أبلج الوجه حسن الخلق  لم تعبه تجله ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم  في عينيه دعج  وفي أشفاره وطف  وفي صوته صحل  وفي عنقه سطع أحور  أكحل  أزج  أقرن  شديد سواد الشعر إذا صمت علاه الوقار  وإن تكلم علاه البهاء  أجمل الناس وأبهاهم من بعيد  وأحسنه وأحلاه من قريب حلو المنطق  فضل  لا نزر  ولا هذر  كأن منطقه خرزات نظمن يتحدرن  ربعة  لا تقحمه عين من قصر ولا تشنؤه من طول، غصن بين غصنين  فهو أنظر الثلاثة منظرا  وأحسنهم قدرا  له رفقاء يحفون به  إذا قال استمعوا لقوله  وإذا أمر تبادروا إلى أمره  محفود محشود  لا عابس ولا مفند  .
وقال علي بن أبي طالب  وهو ينعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  لم يكن بالطويل الممغط، ولا القصير المتردد وكان ربعة من القوم ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط  وكان جعدا رجلا  ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم  وكان في الوجه تدوير  وكان أبيض مشربا  أدعج العينين  أهدب الأشفار  جليل المشاش والكتد  دقيق المسربة  أجرد  شثن الكفين والقدمين  إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب وإذا التفت التفت معا  بين كتفيه خاتم النبوة  وهو خاتم النبيين  أجود الناس كفا  وأجرأ الناس صدرا  وأصدق الناس لهجة  وأوفى الناس ذمة وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة  من رآه بديهة هابه  ومن خالطه معرفة أحبه يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم  .

وفي رواية عنه: أنه كان ضخم الرأس  ضخم الكراديس  طويل المسربة  إذا مشى تكفأ تكفيا كأنما ينحط من صبب  .

وقال جابر بن سمرة: كان ضليع الفم، أشكل العين، منهوس العقبين  .
وقال أبو الطفيل: كان أبيض  مليح الوجه، مقصدا  .
وقال أنس بن مالك: كان بسط الكفين. وقال: كان أزهر اللون  ليس بأبيض أمهق  ولا آدم  قبض وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء  .
وقال: إنما كان شيء أي من الشيب  في صدغيه. وفي رواية: وفي الرأس نبد .
وقال أبو جحيفة: رأيت بياضا تحت شفته السفلى: العنفقة

وقال عبد الله بن بسر: كان في عنفقته شعرات بيض  .

وقال البراء: كان مربوعا بعيد ما بين المنكبين  له شعر يبلغ شحمة أذنيه  رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه  .
وكان يسدل شعره أولا لحبه موافقه أهل الكتاب، ثم فرق رأسه بعد  .
قال البراء: كان أحسن الناس وجها، وأحسنهم خلقا  .
وسئل أكان وجه النبي صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا  بل مثل القمر. وفي رواية: كان وجهه مستديرا  .
وقالت الربيع بنت معوذ: لو رأيته رأيت الشمس طالعة  .
وقال جابر بن سمرة: رأيته في ليلة إضحيان، فجعلت أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى القمر وعليه حلة حمراء  فإذا هو أحسن عندي من القمر  .

وقال أبو هريرة: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم  كأن الشمس تجري في وجهه وما رأيت أحدا أسرع في مشيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم  كأنما الأرض تطوى له  وإنا لنجهد أنفسنا  وإنه لغير مكترث  .

وقال كعب بن مالك: كان إذا سر استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر  .
وعرق مرة وهو عند عائشة  فجعلت تبرك أسارير وجهه  فتمثلت له بقول أبي كبير الهذلي:
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل


وكان أبو بكر إذا رآه يقول:

أمين مصطفى بالخير يدعو ... كضوء البدر زايله الظلام


وكان عمر ينشد قول زهير في هرم بن سنان:

لو كنت من شيء سوى البشر ... كنت المضيء ليلة البدر
ثم يقل كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  .
وكان إذا غضب أحمر وجهه  حتى كأنما فقئ في وجنته حب الرمان  .

وقال جابر بن سمرة: كان في ساقيه حموشة  وكان لا يضحك إلا تبسما  وكنت إذا نظرت إليه قلت: أكحل العينين  وليس بأكحل  .

قال ابن العباس: كان أفلج الثنيتين  إذا تكلم رؤي كالنور يخرج من بين ثناياه  .
وأما عنقه فكأنه جيد دمية في صفاء الفضة  وكان في أشفاره غطف  وفي لحيته كثافة وكان واسع الجبين أزج الحواجب في غير قرن بينهما، أقنى العرنين  سهل الخدين  من لبته إلى سرته شعر يجري كالقضيب  ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره  أشعر الذراعين والمنكبين  سواء البطن والصدر  مسيح الصدر عريضه  طويل الزند  رحب الراحة  سبط القصب  خمصان الأخمصين  سائل الأطراف  إذا زال زال قلعا  يخطو تكفيا ويمشي هونا  .

وقال أنس: ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم  ولا شمت ريحا قط أو عرفا قط  وفي رواية: ما شممت عنبرا قط ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح أو عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم  .



وقال أبو جحيفة: أخذت بيده  فوضعتها على وجهي  فإذا هي أبرد من الثلج  وأطيب رائحة من المسك  .

وقال جابر بن سمرة  وكان صبيا  مسح خدي فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جونة عطار .
وقال أنس: كأن عرقه اللؤلؤ. وقالت أم سليم: هو من أطيب الطيب  .
وقال جابر: لم يسلك طريقا فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرفه، أو قال: من ريح عرقه  .
وكان بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة  يشبه جسده  وكان عند ناغض كتفه اليسرى  جمعا عليه خيلان كأمثال الثاليل  .

  كمال النفس ومكارم الأخلاق

كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتاز بفصاحة اللسان  وبلاغة القول  وكان من ذلك بالمحل الأفضل  والموضع الذي لا يجهل  سلاسة طبع  ونصاعة لفظ  وجزالة قول  وصحة معان  وقلة تكلف  أوتي جوامع الكلم  وخص ببدائع الحكم  وعلم ألسنة العرب  يخاطب كل قبيلة بلسانها  ويحاورها بلغتها  اجتمعت له قوة عارضة البادية وجزالتها  ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي.
وكان الحلم والإحتمال  والعفو عند المقدرة  والصبر على المكاره  صفات أدبه الله بها  وكل حليم قد عرفت منه زلة وحفظت عنه هفوة ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يزد مع كثرة الأذى إلا صبرا  وعلى إسراف الجاهل إلا حلما  ..

قالت عائشة: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما  فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها  وكان أبعد الناس غضبا وأسرعهم رضا.


وكان من صفة الجود والكرم على ما لا يقادر قدره  كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر ..

 قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس  وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان  فيدارسه القرآن  فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة  .
وقال جابر. ما سئل شيئا قط فقال: لا  .


وكان من الشجاعة والنجدة والبأس بالمكان الذي لا يجهل  كان أشجع الناس  حضر المواقف الصعبة وفر عنه الكماة والأبطال غير مرة  وهو ثابت لا يبرح  ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح  وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة  وحفظت عنه جولة سواه  قال علي: كنا إذا حمي البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم  فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه  . قال أنس: فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا، وقد سبقهم إلى الصوت  وهو على فرس لأبي طلحة عرى  في عنقه السيف وهو يقول: لم تراعوا  لم تراعوا  .


وكان أشد الناس حياء وإغضاء  قال أبو سعيد الخدري: كان أشد حياء من العذراء في خدرها  وإذا كره شيئا عرف في وجهه  وكان لا يثبت نظره في وجه أحد  خافض الطرف  نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء  جل نظره الملاحظة  لا يشافه أحدا بما يكره حياء وكرم نفسه  وكان لا يسمي رجلا بلغ عنه شيء يكرهه  بل يقول: ما بال أقوام يصنعون كذا. وكان أحق الناس بقول الفرزدق: يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم
وكان أعد الناس  وأعفهم وأصدقهم لهجة  وأعظمهم أمانة  اعترف له بذلك محاوروه وأعداؤه  وكان يسمى قبل نبوته الأمين  ويتحاكم إليه في الجاهلية قبل الإسلام  روى الترمذي عن علي أن أبا جهل قال له: إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به.
فأنزل الله تعالى فيهم فإنهم لا يكذبونك  ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ...

 وسأل هرقل أبا سفيان  هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا.


وكان أشد الناس تواضعا وأبعدهم عن الكبر يمنع عن القيام له كما يقومون للملوك  وكان يعود المساكين  ويجالس الفقراء  ويجيب دعوة العبد، ويجلس في أصحابه كأحدهم قالت عائشة: كان يخصف نعله  ويخيط ثوبه  ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته وكان بشرا من البشر يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه  .


وكان أوفى الناس بالعهود  وأوصلهم للرحم  وأعظم شفقة ورأفة ورحمة بالناس  أحسن الناس عشرة وأدبا  وأبسط الناس خلقا أبعد الناس من سوء الأخلاق  لم يكن فاحشا  ولا متفحشا  ولا لعانا  ولا صخابا في الأسواق  ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح وكان لا يدع أحدا يمشي خلفه  وكان لا يترفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس  ويخدم من خدمه  ولم يقل لخادمه أف قط  ولم يعاتبه على فعل شيء أو تركه  وكان يحب المساكين ويجالسهم  ويشهد جنائزهم  ولا يحقر فقيرا لفقره. كان في بعض أسفاره فأمر بإصلاح شاة فقال رجل: علي ذبحها وقال آخر: علي سلخها  وقال آخر: علي طبخها  فقال صلى الله عليه وسلم: وعلي جمع الحطب فقالوا: نحن نكفيك. فقال: قد علمت أنكم تكفوني  ولكني أكره أن أتميز عليكم  فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه  وقام وجمع الحطب  .


 
ولنترك هند بن أبي هالة يصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال هند فيما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان  دائم الفكرة  ليست له راحة  ولا يتكلم في غير حاجة  طويل السكوت  يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه  لا بأطراف فمه  ويتكلم بجوامع الكلم  فصلا لا فضول فيه ولا تقصير  دمثا ليس بالجافي ولا بالمهين  يعظم النعمة وإن دقت  لا يذم شيئا  ولم يكن يذم ذواقا ما يطعم- ولا يمدحه  ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له  لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها- سماحة  وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح  وإذا فرح غض طرفه  جل ضحكه التبسم  ويفتر عن مثل حب الغمام. وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه  يؤلف أصحابه ولا يفرقهم  يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم  ويحذر الناس  ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره. يتفقد أصحابه  ويسأل الناس عما في الناس  ويحسن الحسن ويصوبه  ويقبح القبيح ويوهنه  معتدل الأمر  غير مختلف لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يملوا  لكل حال عنده عتاد  لا يقصر على الحق ولا يجاوزه إلى غيره.. الذين يلونه من الناس خيارهم وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة  وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر  ولا يوطن الأماكن لا يميز لنفسه مكانا إذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك  ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه من جالسه أو قاومه لحاجته صابره حتى يكون هو المنصرف عنه  ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول  وقد وسع الناس بسطه وخلقه  فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق متقاربين  يتفاضلون عنده بالتقوى  مجلسه حلم وحياء وصبر وأمانة  لا ترفع فيه الأصوات  ولا تؤبن فيه الحرم لا تخشى فلتاته- يتعاطفون بالتقوى، ويوقرون الكبير  ويرحمون الصغير ويرفدون ذا الحاجة  ويؤنسون الغريب.

كان دائم البشر سهل الخلق  لين الجانب  ليس بفظ  ولا غليظ  ولا صخاب  ولا فحاش  ولا عتاب  ولا مداح  يتغافل عما لا يشتهي ولا يقنط منه  قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء  والإكثار  وما لا يعنيه  وترك الناس من ثلاث: لا يذم أحدا  ولا يعيره ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه  إذا تكلم أطرق جلساؤه  كأنما على رؤوسهم الطير  وإذا سكت تكلموا  لا يتنازعون عنده الحديث  من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ  حديثهم حديث أولهم  يضحك مما يضحكون منه  ويعجب مما يعجبون منه  ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق  ويقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه  ولا يطلب الثناء إلا من مكافىء  .

وقال خارجة بن زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه  لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه  وكان كثير السكوت  لا يتكلم في غير حاجة  يعرض عمن تكلم من غير جميل  كان ضحكة تبسما  وكلامه فصلا  لا فضول ولا تقصير  وكان ضحك أصحابه عنده التبسم  توقيرا له واقتداء به  ....



وعلى الجملة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم محلى بصفات الكمال المنقطعة النظير  أدبه ربه فأحسن تأديبه  حتى خاطبه مثنيا عليه فقال: وإنك لعلى خلق عظيم

رحله علي خطي الحبيب من الميلاد الي الممات (الدرس السابع والخمسون)





زوجات النبي صلي  الله  عليه وسلم والحكمه في التعدد



1- كان البيت النبوي في مكة قبل الهجرة يتألف منه عليه الصلاة والسلام  ومن زوجته خديجة بنت خويلد  تزوجها وهو في خمس وعشرين من سنه وهي في الأربعين  وهي أول من تزوجها من النساء  ولم يتزوج عليها غيرها وكان له منها أبناء وبنات  أما الأبناء فلم يعش منهم أحد  وأما البنات فهن: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة  فأما زينب فتزوجها قبل الهجرة ابن خالتها أبو العاص بن الربيع وأما رقية وأم كلثوم فقد تزوجهما عثمان بن عفان رضي الله عنه الواحدة بعد الآخرى  وأما فاطمة فتزوجها علي بن أبي طالب بين بدر وأحد  ومنها كان الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم.

ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ممتازا عن أمته بحل التزوج بأكثر من أربع زوجات لأغراض كثيرة  فكان عدد من عقد عليهن ثلاث عشرة امرأة  منهن تسع مات عنهن  واثنتان توفيتا في حياته  إحداهما خديجة  والآخرى أم المساكين زينب بنت خزيمة واثنتان لم يدخل بهما  وها هي أسماؤهن وشيء عنهن.


2- سودة بنت زمعة:


 تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال سنة عشر من النبوة  بعد وفاة خديجة بأيام وكانت قبله عند ابن عم لها يقال له السكران بن عمرو  فمات عنها.


3- عائشة بنت أبي بكر الصديق
 تزوجها في شوال سنة إحدى عشرة من النبوة  بعد زواجه بسودة بسنة  وقبل الهجرة بسنتين وخمسة أشهر  تزوجها وهي بنت ست سنين، وبنى بها في شوال بعد الهجرة بسبعة أشهر في المدينة  وهي بنت تسع سنين  وكانت بكرا ولم يتزوج بكرا غيرها  وكانت أحب الخلق إليه  وأفقه نساء الأمة  وأعلمهن على الإطلاق.


4- حفصة بنت عمر بن الخطاب
  تأيمت من زوجها خنيس بن حذافة السهمي بين بدر وأحد  فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة 3 هـ.


5- زينب بنت خزيمة من بني هلال بن عامر بن صعصعة
  وكانت تسمى أم المساكين  لرحمتها إياهم ورقتها عليهم  كانت تحت عبد الله بن جحش  فاستشهد في أحد، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة 4 هـ. ماتت بعد الزواج بشهرين أو ثلاثة أشهر.


6- أم سلمة هند بنت أبي أمية
، كانت تحت أبي سلمة، فمات عنها في جمادي الآخرى سنة 4 هـ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال من نفس السنة.


7- زينب بنت جحش بن رباب من بني أسد بن خزيمة
  وهي بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم  وكانت تحت زيد بن حارثة  الذي كان يعتبر ابنا للنبي صلى الله عليه وسلم  فطلقها زيد  فأنزل الله تعالى يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها  وفيها نزلت من سورة الأحزاب آيات فصلت قضية التبني  وسنأتي على ذكرها  تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة.


8- جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق من خزاعة
  كانت في سبي بني المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس  فكاتبها  فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها  وتزوجها في شعبان سنة 6 هـ.


9- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان
  كانت تحت عبيد الله بن جحش  هاجرت معه إلى الحبشة  فارتد عبيد الله وتنصر  وتوفي هناك  وثبتت أم حبيبة على دينها وهجرتها  فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري بكتابه إلى النجاشي في المحرم سنة 7 هـ.
خطب عليه أم حبيبة فزوجها إياه وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة.


10- صفية بنت حيي بن أخطب من بني إسرائيل
  كانت من سبي خيبر  فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه  فأعتقها وتزوجها بعد فتح خيبر سنة 7 هـ.


11- ميمونة بنت الحارث
  أخت أم الفضل لبابة بنت الحارث  تزوجها في ذي القعدة سنة 7 هـ، في عمرة القضاء  بعد أن حل منها على الصحيح.
فهؤلاء إحدى عشرة سيدة تزوج بهن الرسول صلى الله عليه وسلم  وبنى بهن وتوفيت منهن اثنتان  خديجة وزينب أم المساكين  في حياته  وتوفي هو عن التسع البواقي.



وأما الإثنتان اللتان لم يبن بهما  فواحدة من بني كلاب  وأخرى من كندة  وهي المعروفة بالجونية  وهناك خلافات لا حاجة إلى بسطها.


وأما السراري فالمعروف أنه تسرى باثنتين إحداهما: مارية القبطية  أهداها له المقوقس فأولدها ابنه إبراهيم  الذي توفي صغيرا بالمدينة في حياته صلى الله عليه وسلم  في 28/ أو 29 من شهر شوال سنة 10 هـ وفق 27 يناير سنة 632 م. والسرية الثانية هي: ريحانة بنت زيد  . النضرية أو القرظية  كانت من سبايا قريظة  فاصطفاها لنفسه  وقيل: بل هي من أزواجه صلى الله عليه وسلم  أعتقها فتزوجها  والقول الأول رجحه ابن القيم. وزاد أبو عبيدة اثنتين أخريين  جميلة أصابها في بعض السبي وجارية وهبتها له زينب بنت جحش  .
ومن نظر إلى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم عرف جيدا أن زواجه بهذا العدد الكثير من النساء في أواخر عمره بعد أن قضى ما يقارب ثلاثين عاما من ريعان شبابه وأجود أيامه مقتصرا على زوجة واحدة شبه عجوز  خديجة ثم سودة عرف أن هذا الزواج لم يكن لأجل أنه وجد بغتة في نفسه قوة عارمة من الشبق  لا يصبر معها إلا بمثل هذا العدد الكثير من النساء بل كانت هناك أغراض أخرى أجل وأعظم من الغرض الذي يحققه عامة الزواج.



فاتجاه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مصاهرة أبي بكر وعمر بزواجه بعائشة وحفصة  وكذلك تزويجه ابنته فاطمة بعلي بن أبي طالب  وتزويجه ابنته رقية ثم أم كلثوم بعثمان بن عفان  يشير إلى أنه يبغي من وراء ذلك توثيق الصلات بالرجال الأربعة  الذين عرف بلاءهم وفداءهم للإسلام في الأزمات التي مرت به  وشاء الله أن يجتازها بسلام.


وكان من تقاليد العرب الإحترام للمصاهرة  فقد كان الصهر عندهم بابا من أبواب التقرب بين البطون المختلفة  وكانوا يرون مناوأة ومحاربة الأصهار سبة وعارا على أنفسهم  فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بزواج عدة من أمهات المؤمنين أن يكسر سورة عداء القبائل للإسلام ويطفئ حدة بغضائها  كانت أم سلمة من بني مخزوم  حي أبي جهل وخالد بن الوليد  فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقف خالد من المسلمين موقفه الشديد بأحد  بل أسلم بعد مدة غير طويلة طائعا راغبا وكذلك أبو سفيان لم يواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي محاربة بعد زواجه بابنته أم حبيبة  وكذلك لا نرى من قبيلتي بني المصطلق وبني النضير أي استفزاز وعداء بعد زواجه بجويرية وصفية؛ بل كانت جويرية أعظم النساء بركة على قومها  فقد أطلق الصحابة أسر مائة بيت من قومها حين تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم  وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يخفى ما لهذا المن من الأثر البالغ في النفوس.

وأكبر من كل ذلك وأعظم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مأمورا بتزكية وتثقيف قوم لم يكونوا يعرفون شيئا من آداب الثقافة والحضارة والتقيد بلوازم المدينة، والمساهمة في بناء المجتمع وتعزيزه.

 والمبادئ التي كانت أسسا لبناء المجتمع الإسلامي  لم تكن تسمح للرجال أن يختلطوا بالنساء  فلم يكن يمكن تثقيفهن مباشرة مع المراعاة لهذه المبادئ  مع أن مسيس الحاجة إلى تثقيفهن لم يكن أهون وأقل من الرجال  بل كان أشد وأقوى.



وإذن فلم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم سبيل إلا أن يختار من النساء المختلفة الأعمار والمواهب ما يكفي لهذا الغرض  فيزكيهن ويربيهن  ويعلمهن الشرائع والأحكام  ويثقفهن بثقافة الإسلام حتى يعدهن لتربية البدويات والحضريات  العجائز منهن والشابات فيكفين مؤنة التبليغ في النساء.


وقد كان لأمهات المؤمنين فضل كبير في نقل أحواله  صلى الله عليه وسلم  المنزلية للناس  خصوصا من طالت حياته منهن كعائشة، فإنها روت كثيرا من أفعاله وأقواله.



وهناك نكاح واحد كان لنقض تقليد جاهلي متأصل  وهي قاعدة التبني. وكان للمتبنى عند العرب في الجاهلية جميع الحرمات والحقوق التي كانت للابن الحقيقي سواء بسواء. وكانت قد تأصلت تلك القاعدة في القلوب  بحيث لم يكن محوها سهلا  لكن كانت تلك القاعدة تعارض معارضة شديدة للأسس والمبادئ التي قررها الإسلام في النكاح والطلاق والميراث وغير ذلك من المعاملات  وكانت تلك القاعدة تجلب كثيرا من المفاسد والفواحش التي جاء الإسلام ليمحوها عن المجتمع.


ولهدم تلك القاعدة أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينكح ابنة عمته زينب بنت جحش  وكانت تحت زيد  ولم يكن بينهما توافق  حتى هم زيد بطلاقها  وذلك في ساعة تألب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف دعاية المنافقين والمشركين واليهود وما يثيرونه من الوساوس والخرافات ضده وما يكون له من الأثر السيئ في نفوس ضعفاء المسلمين  فأحب ألايطلق زيد  حتى لا يقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الإمتحان.


ولا شك أن هذا التردد والإنحياز كان لا يطابق مطابقة تامة للعزيمة التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم  فعاتبه الله على ذلك وقال: وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه:أمسك عليك زوجك واتق الله، وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه . .

وأخيرا طلقها زيد  وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام فرض الحصار على بني قريظة بعد أن انقضت عدتها. وكان الله قد أوجب عليه هذا النكاح  ولم يترك له خيارا ولا مجالا حتى تولى الله ذلك النكاح بنفسه يقول: فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ... وذلك ليهدم قاعدة التبني فعلا كما هدمها قولا: ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله...... ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ...

وكم من التقاليد المتأصلة الجازمة لا يمكن هدمها أو تعديلها لمجرد القول  بل لا بد له من مقارنة فعل صاحب الدعوة  ويتضح ذلك بما صدر من المسلمين في عمرة الحديبية  كان هناك أولئك المسلمون الذين رآهم عروة بن مسعود الثقفي لا يقع من النبي صلى الله عليه وسلم نخامة إلا في يد أحدهم  ورآهم يتبادرون إلى وضوئه حتى كادوا يقتتلون عليه  نعم كان أولئك الذين تسابقوا إلى البيعة على الموت أو على عدم الفرار تحت الشجرة  والذين كان فيهم مثل أبو بكر وعمر  لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أولئك الصحابة المتفانين في ذاته  بعد عقد الصلح  أن يقوموا فينحروا هداهم لم يقم لامتثال أمره أحد  حتى أخذه القلق والإضطراب  ولكن لما أشارت عليه أم سلمة أن يقوم إلى هديه فينحر  ولا يكلم أحدا ففعل  تبادر الصحابة إلى إتباعه في فعله فتسابقوا إلى نحر جزورهم. وبهذا الحادث يتضح جليا ما هو الفرق بين أثري القول والفعل لهدم قاعدة راسخة.


وقد أثار المنافقون وساوس كثيرة  وقاموا بدعايات كاذبة واسعة حول هذا النكاح  أثر بعضها في ضعفاء المسلمين  لا سيما أن زينب كانت خامسة أزواجه صلى الله عليه وسلم  ولم يكن يعرف المسلمون حل الزواج بأكثر من أربع نسوة  وأن زيدا كان يعتبر ابنا للنبي صلى الله عليه وسلم  والزواج بزوجة الابن كان من أغلظ الفواحش  وقد أنزل الله في سورة الأحزاب حول الموضوعين ما شفى وكفى وعلم الصحابة أن التبني ليس له أثر عند الإسلام  وأن الله تعالى وسع لرسوله صلى الله عليه وسلم في الزواج ما لم يوسع لغيره لأغراضه النبيلة الممتازة.


هذا  وكانت عشرته صلى الله عليه وسلم مع أمهات المؤمنين في غاية الشرف والنبل والسمو والحسن  كما كن في أعلى درجة من الشرف والقناعة والصبر والتواضع والخدمة والقيام بحقوق الزواج  مع أنه كان في شظف من العيش لا يطيقه أحد. قال أنس: ما أعلم النبي صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله  ولا رأى شاة سميطا بعينه قط  . وقالت عائشة: إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين  وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. فقال لها عروة: ما كان يعشيكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء  .والأخبار بهذا الصدد كثيرة. ومع هذا الشظف والضيق لم يصدر منهن ما يوجب العتاب إلا مرة واحدة  حسب مقتضى البشرية  وليكون سببا لتشريع الأحكام  فأنزل الله آية التخيير يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ..... وكان من شرفهن ونبلهن أنهن آثرن الله ورسوله  ولم تمل واحدة منهن إلى اختيار الدنيا.


وكذلك لم يقع منهن ما يقع بين الضرائر مع كثرتهن إلا شيء يسير من بعضهن حسب اقتضاء البشرية ثم عاتب الله عليه فلم يعدن له مرة أخرى  وهو الذي ذكره الله في سورة التحريم بقوله: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك إلى تمام الآية الخامسة.

وأخيرا أرى أنه لا حاجة إلى البحث في موضوع مبدأ تعدد الزوجات  فمن نظر في حياة سكان أوروبا الذين يصدر منهم النكير الشديد على هذا المبدأ  ونظر إلى ما يقاسون من الشقاوة والمرارة  وما يأتون من الفضائح والجرائم الشنيعة  وما يواجهون من البلايا والقلاقل لانحرافهم عن هذا المبدأ كفى له ذلك عن البحث والإستدلال  فحياتهم أصدق شاهد على عدالة هذا المبدأ  وإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.









رحله علي خطي الحبيب من الميلاد الي الممات (الدرس السادس والخمسون )




نهاية الرحلة

مرض وأنتقال الحبيب صلي الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى


 طلائع التوديع



لما تكاملت الدعوة  وسيطر الإسلام على الموقف  أخذت طلائع التوديع للحياة والأحياء تطلع من مشاعره صلى الله عليه وسلم  وتنضح بعباراته وأفعاله.

إنه اعتكف في رمضان من السنة العاشرة عشرين يوما  بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام فحسب  وتدارسه جبريل القرآن مرتين وقال في حجة الوداع: إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا ..وقال وهو عند جمرة العقبة: خذوا عني مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا.. وأنزلت عليه سورة النصر في أوسط أيام التشريق  فعرف أنه الوداع  وأنه نعيت إليه نفسه.


وفي أوائل صفر سنة 11 هـ خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد  فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات  ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرطكم  وإني شهيد عليكم  وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن  وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي  ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها .

وخرج ليلة  في منتصفها  إلى البقيع فاستغفر لهم  وقال: السلام عليكم يا أهل المقابر  ليهن لكم ما أصبحتم فيه بما أصبح الناس فيه أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم  يتبع آخرها أولها  الآخرة شر من الأولى. وبشرهم قائلا: إنا بكم للاحقون .




 بداية المرض

وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 11 هـ وكان يوم الإثنين  شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة في البقيع  فلما رجع  وهو في الطريق  أخذه صداع في رأسه  واتقدت الحرارة  حتى إنهم كانوا يجدون سورتها فوق العصابة التي تعصب بها رأسه.
وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس وهو مريض 11 يوما  وجميع أيام المرض كانت 13 أو 14 يوما. 



الأسبوع الأخير


وثقل برسول الله صلى الله عليه وسلم المرض  فجعل يسأل أزواجه: أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟  ففهمن مراده  فأذن له يكون حيث شاء فانتقل إلى عائشة  يمشي بين الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب  عاصبا رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتها فقضى عندها آخر أسبوع من حياته.وكانت عائشة تقرأ بالمعوذات والأدعية التي حفظتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت تنفث على نفسه وتمسحه بيده رجاء البركة.


 قبل الوفاة بخمسة أيام


ويوم الأربعاء قبل خمسة أيام من الوفاة  اتقدت حرارة العلة في بدنه  فاشتد به الوجع وغمي  فقال: هريقوا علي سبع قرب من آبار شتى  حتى أخرج إلى الناس  فأعهد إليهم  فأقعدوه في مخضب  وصبوا عليه الماء  حتى طفق يقول: حسبكم  حسبكم .



وعند ذلك أحس بخفة  فدخل المسجد وهو معصوب الرأس  حتى جلس على المنبر  وخطب الناس  والناس مجتمعون حوله فقال: لعنة الله على اليهود والنصارى  اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.. وفي رواية ..قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد  وقال: لا تتخذوا قبري وثنا يعبد .

وعرض نفسه للقصاص قائلا: من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه  ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه. 
ثم نزل فصلى الظهر  ثم رجع فجلس على المنبر وعاد لمقالته الأولى في الشحناء وغيرها  فقال رجل: إن لي عندك ثلاثة دراهم فقال: أعطه يا فضل  ثم أوصى بالأنصار قائلا: أوصيكم بالأنصار  فإنهم كرشي وعيبتي  وقد قضوا الذي عليهم  وبقي الذي لهم  فاقبلوا من محسنهم  وتجاوزوا عن مسيئهم. وفي رواية أنه قال: إن الناس يكثرون وتقل الأنصار  حتى يكونوا كالملح في الطعام  فمن ولي منكم أمرا يضر فيه أحدا أو ينفعه. فليقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم .
ثم قال: إن عبدا خيره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده  فاختار ما عنده قال أبو سعيد الخدري: فبكى أبو بكر. قال: فديناك بابائنا وأمهاتنا فعجبنا له  فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ  يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا  وبين ما عنده  وهو يقول: فديناك بابائنا وأمهاتنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا  .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من آمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر  ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا  ولكن أخوة الإسلام ومودته  لا يبقين نفي المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر  .




  قبل الوفاة بأربعة أيام



ويوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام قال وقد اشتد به الوجع .هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده. وفي البيت رجال فيه عمر فقال عمر: قد غلب عليه الوجع  وعندكم القرآن  حسبك كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا  فمنهم من يقول: قربوا يكتب لك رسول الله صلى الله عليه وسلم  ومنهم من يقول ما قال عمر فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا عني 
وأوصى ذلك اليوم بثلاث: أوصى بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب  وأوصى بإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزه  أما الثالث فنسيه الراوي  ولعله الوصية بالاعتصام بالكتاب والسنة  أو تنفيذ جيش أسامة  أو هي: الصلاة وما ملكت أيمانكم.
والنبي صلى الله عليه وسلم مع ما كان به من شدة المرض كان يصلي بالناس جميع صلواته حتى ذلك اليوم يوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام  وقد صلى بالناس ذلك اليوم صلاة المغرب  فقرأ فيها بالمرسلات عرفا . 


 وعند العشاء زاد ثقل المرض  بحيث لم يستطع الخروج إلى المسجد. قالت عائشة: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أصلى الناس؟ قلنا: لا يا رسول الله، قلنا: لا يا رسول الله  وهم ينتظرونك. قال: ضعوا لي ماء في المخضب . ففعلنا فاغتسل  فذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟  ووقع ثانيا وثالثا ما وقع في المرة الأولى من الاغتسال ثم الإغماء حينما أراد أن ينوء فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس  فصلى أبو بكر تلك الأيام  17 صلاة في حياته صلى الله عليه وسلم.
وراجعت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث أو أربع مرات  ليصرف الإمامة عن أبي بكر  حتى لا يتشاءم به الناس فأبى وقال:  إنكن صواحب يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس .




  قبل يوم أو يومين


ويوم السبت أو الأحد وجد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة  فخرج بين رجلين لصلاة الظهر  وأبو بكر يصلي بالناس  فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر  فأومأ إليه بأن لا يتأخر  قال: أجلساني إلى جنبه  فأجلساه إلى يسار أبي بكر فكان أبو بكر يقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم  ويسمع الناس التكبير  .
قبل يوم من الوفاة

وقبل يوم من الوفاة  يوم الأحد  أعتق النبي صلى الله عليه وسلم غلمانه  وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده  ووهب للمسلمين أسلحته وفي الليل استعارت عائشة الزيت للمصباح من جارتها  وكانت درعه صلى الله عليه وسلم مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من الشعير.

 آخر يوم من الحياة

روى أنس بن مالك  أن المسلمين بينا هم في صلاة الفجر يوم الإثنين  وأبو بكر يصلي بهم  لم يفجأهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كشف ستر حجرة عائشة فنظر إليهم  وهم في صفوف الصلاة  ثم تبسم يضحك  فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة. فقال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم  فرحا برسول الله صلى الله عليه وسلم  فأشار إليهم بيده رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر .  ثم لم يأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت صلاة أخرى.



ولما ارتفع الضحى  دعا النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة فسارها بشيء فبكت. ثم دعاها  فسارها بشيء فضحكت قالت عائشة فسألنا عن ذلك  أي فيما بعد  فقالت: سارت النبي صلى الله عليه وسلم:أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه  فبكيت  ثم سارني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت  . وبشر النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بأنها سيدة نساء العالمين 
ورأت فاطمة ما برسول الله صلى الله عليه وسلم من الكرب الشديد الذي يتغشاه، فقالت: واكرب أباه. فقال لها: ليس على أبيك كرب 
بعد اليوم  .

ودعا الحسن والحسين قبلهما  وأوصى بهما خيرا ودعا أزواجه فوعظهن وذكرهن.

وطفق الوجع يشتد ويزيد  وقد ظهر أثر السم الذي أكله يخبر حتى كان يقول: يا عائشة  ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم .
وأوصى الناس  فقال: الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم..كرر ذلك مرارا  .




  الاحتضار

وبدأ الإحتضار فأسندته عائشة إليها  وكانت تقول  إن من نعم الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري  وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته  دخل عبد الرحمن  بن أبي بكر وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم  فرأيته ينظر إليه  وعرفت أنه يحب السواك  فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم  فتناولته فاشتد عليه وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم  فلينته. فأمره  وفي رواية أنه استن بها كأحسن ما كان مستنا  وبين يديه ركوة فيها ماء  فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه  يقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات.....


وما عدا أن فرغ من السواك حتى رفع يده أو إصبعه  وشخص بصره نحو السقف  وتحركت شفتاه  فأصغت إليه عائشة وهو يقول:  مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين  اللهم اغفر لي وارحمني  وألحقني بالرفيق الأعلى  اللهم الرفيق الأعلى  . كرر الكلمة الأخيرة ثلاثا  ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلى. إنا لله وإنا إليه راجعون.
وقع هذا الحارث حين اشتدت الضحى من يوم الإثنين 12 ربيع الأول سنة 11 هـ.

وقد تم له صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة وزادت أربعة أيام.


تفاقم الأحزان على الصحابة


وتسرب النبأ الفادح  وأظلمت على المدينة أرجاؤها وآفاقها  قال أنس: ما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأيت يوما كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم  .
ولما مات قالت فاطمة  يا أبتاه أجاب ربا دعاه  يا أبتاه  من أنة الفردوس مأواه  يا أبتاه  إلى جبريل ننعاه  .
 موقف عمر بن الخطاب

ووقف عمر بن الخطاب  وقد أخرأه الخبر عن وعيه  يقول: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات  لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران  فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجعت إليهم بعد أن قيل قد مات. وو الله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات  .
 موقف أبي بكر الصديق

وأقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل  فدخل المسجد  فلم يكلم لناس  حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو مغشى بثوب حبرة  فكشف عن وجهه  ثم أكب عليه، فقبله وبكى  ثم قال: بأبي أنت وأمي لا يجمع الله عليك موتتين  أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها.
ثم خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس  فقال: اجلس يا عمر  فأبى عمر أن يجلس  فأقبل الناس إليه  وتركوا عمر  فقال أبو بكر: أما بعد  من كان منكم يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمدا قد مات  ومن كان منكم يعبد الله  فإن الله حي لا يموت. قال الله: وما محمد إلا رسول  قد خلت من قبله الرسل  أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم  ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين .


 قال ابن عباس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر  فتلقاها منه الناس كلهم  فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها.

قال ابن المسيب: قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعفرت حتى ما تقلني رجلاي  وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها  علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات .

 

التجهيز وتوديع الجسد الشريف إلى الأرض


ووقع الخلاف في أمر الخلافة قبل أن يقوموا بتجهيزه صلى الله عليه وسلم  فجرت مناقشات ومجادلات وحوار وردود بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة  وأخيرا اتفقوا على خلافة أبي بكر رضي الله عنه  ومضى في ذلك بقية يوم الإثنين حتى دخل الليل وشغل الناس عن جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم  حتى كان آخر الليل  ليلة الثلاثاء مع الصبح  وبقي جسده المبارك على فراشه مغشى بثوب حبرة  قد أغلق دونه الباب أهله.
ويوم الثلاثاء غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أن يجردوه من ثيابه  وكان القائمون بالغسل العباس وعليا  والفضل وقثم ابني العباس  وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأسامة بن زيد  وأوس بن خولي. فكان العباس والفضل وقثم يقلبونه وأسامة وشقران يصبان الماء  وعلي يغسله  وأوس أسنده إلى صدره. ثم كفنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف  ليس فيها قميص ولا عمامة  أدرجوه فيها إدراجا.


 واختلفوا في موضع دفنه فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض فرفع أبو طلحة فراشه الذي توفي عليه  فحفر تحته  وجعل القبر لحدا.

ودخل الناس الحجرة أرسالا عشرة فعشرة  يصلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يؤمهم أحد وصلى عليه أولا أهل عشيرته ثم المهاجرون  ثم الأنصار  وصلت عليه النساء بعد الرجال  ثم صلى عليه الصبيان.

ومضى في ذلك يوم الثلاثاء كاملا  حتى دخلت ليلة الأربعاء  قالت عائشة: ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل من ليلة الأربعاء.. وهكذا  أنتهت  حياه  النبي صلي  الله عليه وسلم  ... ولكن  قال  تركتم فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي  أبدا  كتاب  الله  وسنتي  .... صلي  الله عليه وسلم





جميع الحقوق محفوظة لمدونةعلى خطى الحبيب ©2014

back to top